الصحابة وحفظ الحديث
كان الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- يحرصون دائماً على الاستماع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- والإنصات لما يقوله، وحفظ أحاديثه، لأنَّهم كانوا يعلمون بأنَّ كلامه وحي من الله -تعالى- فهو كما وصفه ربه -سبحانه-: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}،[١] ولذلك فقد رووا أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- بكل دقة وأمانة وصدق، ومما ساعدهم على ذلك قوة الحافظة وصفاء الذهن، فقد اشتهر العرب بقوة حفظهم، وتداولهم للشعر، وقد أوتي النبي -صلى الله عليه وسلم- جوامع الكلم، وكان متأنياً في كلامه، ومكرراً له، فلا عجب أن يروي أحدهم مئات الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مع شدّة قربهم منه ومصاحبتهم ومراقبتهم له، فقد رووا عنه كل ما كان يقول ويفعل، وقد شجعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك بقوله: (نضَّر اللهُ امرءًا سمع منا حديثًا فبلَّغَه، فرُبَّ حاملُ فقهٍ ليس بفقيهٍ، ورُبَّ حاملُ فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه).[٢][٣]
هل دون الصحابة الحديث في عهد النبي؟
كانت الكتابة والتدوين أحد الأساليب التي اعتمد عليها الصحابة في حفظ الحديث النبوي، وقد مرّت كتابة الحديث في العهد النبوي بمرحلتين:[٤]
المرحلة الأولى
مرحلة الكتابة والتدوين في صحف وأوراق خاصة لبعض الصحابة فقط بإذن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعدم السماح بتداول تلك الصحف، فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن كتابة الأحاديث في بداية الإسلام، وقد كان النهي خوفاً من اختلاط الأحاديث بالقرآن الكريم، الذي كان في بداية نزوله، ولم يكن قد حُفظ جيداً من قبل الصحابة، وكان بعض الصحابة يكتبون القرآن مع الحديث في نفس الورقة، وخوفاً من انشغال الصحابة بالحديث عن القرآن، فكانت كتابة الحديث في هذه المرحلة استثناءً خاصاً من المنع العام، جاء في الحديث: (لا تَكْتُبُوا عَنِّي، ومَن كَتَبَ عَنِّي غيرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ).[٥][٦]
المرحلة الثانية
وهي مرحلة السماح والإذن النبوي العام بكتابة الأحاديث، وذلك بعد أن تمكن الصحابة من حفظ القرآن الكريم وتمييزه عن غيره، وزال الخوف من اختلاطه بالسنة، فانبرى عدد من الصحابة يكتبون الحديث ويدونونه، فكان منهم من أكثر من كتابة الأحاديث خوفاً من نسيانها، كعبد الله بن عمرو، قال أبو هريرة: (ما مِن أصْحَابِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثًا عنْه مِنِّي، إلَّا ما كانَ مِن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو؛ فإنَّه كانَ يَكْتُبُ ولَا أكْتُبُ)،[٧] وقد بدأ بعد ذلك جمع الأحاديث المكتوبة في الصحف والأوراق، لتكون مرجعاً يمكن الاستفادة منه في أي وقت، ولكنها كانت من غير ترتيب أو تبويب، ثم تطور الأمر بعد ذلك في القرن الثاني للهجرة، وبدأت العناية بكتب السنة، فأخذت تظهر بشكل مرتب ومبوب، وبدأ التصنيف والتأليف وازدهرت كتابة الحديث في القرن الهجري الثالث الذي سمي بعصر التدوين.[٤][٦]
مواضيع أخرى:
من هم المكثرون لرواية الحديث من الصحابة؟
المراجع
- ↑ سورة النجم، آية:3-4
- ↑ رواه ابن حجر العسقلاني، في موافقة الخبر الخبر، عن زيد بن ثابت، الصفحة أو الرقم:368، حديث صحيح.
- ↑ د. محمود الدوسري (11/12/2017)، "حفظ السنة في عصر الصحابة"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 4/5/2021. بتصرّف.
- ^ أ ب إسلام ويب (26/7/2003)، "كتابة الحديث في العهد النبوي"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 4/5/2021. بتصرّف.
- ↑ رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم:3004، حديث صحيح.
- ^ أ ب د. عبد الجبار زيدان (10/11/2013)، "تدوين الحديث النبوي"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 4/5/2021. بتصرّف.
- ↑ رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:113، حديث صحيح.