الصحابي الذي لقب بالباحث عن الحقيقة

إنَّه الصحابي الجليل أبو عبد الله سلمان الفارسي -رضي الله عنه- العابد الزاهد المجاهد، علم من أعلام الإسلام، وعالم من علمائه الكبار، وصاحب فكرة الخندق، قصة إسلامه أعجوبة، فيها العبرة والموعظة، فقد ولد في أصبهان من بلاد فارس، وكان والده ملكاً من ملوك الفرس، وكان على دين المجوس الذين يعبدون النار، وكان سلمان سادن النار، ولكنَّه لم يشعر بأنَّ هذا هو الدين الحق، فأخذ يبحث عن الدين الحق ويسعى إليه، حتى وجد ضالته، وهداه الله -تعالى- للإسلام، بعد جهد وصبر وعناء كبير، قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}،[١] وقد مدح النبي -صلَّى الله عليه وسلّم- سلمان الفارسي وزكّاه وشهد له بالإيمان عندما سأله الصحابة عن قوله -تعالى-: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ}،[٢] فوضع النبي يده عليه وقال: (لو كانَ الإيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا، لَنَالَهُ رِجَالٌ مِن هَؤُلَاءِ).[٣][٤]


قصة إسلام سلمان الفارسي

كان وصول سلمان إلى الإسلام ومعرفته به، بعد تجربة قاسية ورحلة طويلة، فقد بدأ حياته مجوسياً يعبد النار، ثمَّ تحول إلى النصرانية عندما رأى أنَّها خير من دينه، فلما عرف أبوه بالأمر حبسه في البيت ومنعه من الخروج، ثمَّ ما لبث أن هرب مع قافلة من التجار إلى الشام حيث أصل النصرانية ومهدها، فصاحب الصالحين من القساوسة، وكان يطلب من كل واحد منهم أن يدله على رجل صالح يصحبه بعد موته، وهكذا أخذ ينتقل من صحبة إلى صحبة ويسافر بين البلدان، فارتحل من الشام إلى الموصل ثم نصيبين ثم عمورية، فأخبره آخر رجل صالح عن ظهور النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وأخبره عن صفاته ومكانه، فسافر إلى أرض العرب بحثاً عنه، فلمَّا وصل إلى وادي القرى تعرّض للغدر، فتم بيعه كعبدٍ لرجل من اليهود في المدينة، فلمَّا هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إليها وسمع به سلمان، ذهب إليه وأسلم.[٥]


جوانب فذة من شخصية سلمان الفارسي

لقد كانت لدى سلمان الفارسي صفات نادرة وجوانب فذة في شخصيته، وخصائص وفضائل كثيرة لا مجال لحصرها في هذا المقال، وسنكتفي بذكر بعضها:


الشغف لمعرفة الحقيقة والبحث عنها

كان سلمان يتمتع بشغف كبير لمعرفة الحقيقة والتيقن منها، وكانت لديه قدرة كبيرة على التحمل والصبر، فعندما سمع بوصول النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة أراد أن يتحقق من أمره؛ فقد كان الرجل الصالح الأخير الذي صحبه سلمان قد أخبره بأنَّ النبي المبعوث يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فبدأ سلمان يتأكد من صفات النبي -صلى الله عليه وسلم- لكي يؤمن به على يقين، وبالفعل حصل سلمان على ما أراد، فقد رفض النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يأكل من التمر الذي قدّمه سلمان إليه كصدقة، وأكل منه عندما قدمه كهدية، وعندما رأى سلمانُ خاتم النبوة في ظهر النبي -صلى الله عليه وسلم- تيقن من صدق النبوة، فانكب عليه يقبّله ويبكي فرحاً بوصوله إلى الحقيقة التي كان يبحث عنها.[٦]


الحكمة وسعة العلم

جاء في الحديث: (آخَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ سَلْمانَ، وأَبِي الدَّرْداءِ، فَزارَ سَلْمانُ أبا الدَّرْداءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْداءِ مُتَبَذِّلَةً، فقالَ لَها: ما شَأْنُكِ؟ قالَتْ: أخُوكَ أبُوالدَّرْداءِ ليسَ له حاجَةٌ في الدُّنْيا، فَجاءَ أبُوالدَّرْداءِ، فَصَنَعَ له طَعامًا، فقالَ: كُلْ فإنِّي صائِمٌ، قالَ: ما أنا بآكِلٍ حتَّى تَأْكُلَ، فأكَلَ، فَلَمَّا كانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُوالدَّرْداءِ يَقُومُ، فقالَ: نَمْ، فَنامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فقالَ: نَمْ، فَلَمَّا كانَ آخِرُ اللَّيْلِ، قالَ سَلْمانُ: قُمِ الآنَ، قالَ: فَصَلَّيا، فقالَ له سَلْمانُ: إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فأتَى النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَذَكَرَ ذلكَ له، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: صَدَقَ سَلْمانُ).[٧]


الذكاء والعبقرية

وقد تجلت تلك العبقرية وذلك الذكاء الشديد في غزوة الخندق، عندما أشار سلمانُ على النبي -صلى الله عليه وسلم- بفكرة حفر الخندق، لصدِّ العدوان عن المدينة، فقد استحضر سلمان هذه الفكرة العظيمة ممّا رآه في بلاد فارس، فاقترحها على النبي -صلى الله عليه وسلم- فأُعجب بها إعجاباً شديداً، ووافق عليها مباشرة، فقد كانت هي الحل الأمثل لما كان يعانيه المسلمون من حصار خانق للمدينة، ومن خطر محدق قادم إليها، باقتراب الأحزاب منها، فكان حفر الخندق سبباً في دحر الأعداء وهزيمتهم، وانتصار المسلمين.[٨]



مواضيع أخرى:

لقب بعض الصحابة

لقب بعض الصحابيات


المراجع

  1. سورة العنكبوت، آية:69
  2. سورة الجمعة، آية:3
  3. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:2546، حديث صحيح.
  4. محمد كياد المجلاد (13/4/2016)، "سلمان الفارسي.. الباحث عن الحقيقة"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 26/4/2021. بتصرّف.
  5. رقم السؤال88651 (30/5/2006)، قصة-اسلام-سلمان-الفارسي-رضي-الله-عنه "قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه"، الإسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 26/4/2021. بتصرّف.
  6. إسلام ويب (23/4/2014)، "إسلام سلمان الفارسي ـ الباحث عن الحقيقة"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 26/4/2021. بتصرّف.
  7. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن وهب بن عبدالله السوائي أبو جحيفة، الصفحة أو الرقم:6139، حديث صحيح.
  8. قصة الإسلام (1/5/2006)، "سلمان الفارسي"، قصة الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 26/4/2021. بتصرّف.