مقبرة البقيع
هي مقبرة أهل المدينة الرئيسة، من زمن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وحتى زماننا هذا، ومن الجدير بالذّكر أنّه لا يوجد خصوصية لمن يدفن فيها؛ فكما دُفن فيها الصحابة والمؤمنون، فقد دُفن فيها كثير من المنافقين؛ وبالتالي فإنَّ العبرة بالأعمال وليس بالمكان، فكثير من الصحابة لم يدفنوا في البقيع، قال تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}،[١] فإنَّ المسلم يدفن في أي مكان يتوفى فيه ولا أفضلية لمكان على مكان، يقول سلمان -رضي الله عنه-: " إنَّ الأرْض لا تقدِّس أَحداً، وإنَّما يُقدِّس الإنسان عملُه".[٢]
من أول صحابي دفن بالبقيع؟
روى محمّد بن عمر الواقدي، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حَزْم قال: "أوّل من دُفن بالبقيع أسعد بن زُرارة"، ويقول محمّد بن عمر: "هذا قول الأنصار، والمهاجرون يقولون: أوّل من دُفن بالبقيع عثمان بن مظعون"، فأوّل من دفن فيها من المهاجرين عثمان بن مظعون، ومن الأنصار أسعد بن زرارة.[٣]
أول صحابي دفن بالبقيع حسب قول المهاجرين
عثمان بن مظعون
هو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن كعب الجمحي، يكنّى بأبي السائب، كان من سادة المهاجرين، هاجر الهجرتين، وكان من المسلمين الأوائل، أسلم قبل بدء الدّعوة في دار الأرقم، انطلق هو وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح، إلى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فعَرَض عليهم الإسلام وشرائعه، فأسلموا -رضي الله عنهم- في ساعةٍ واحدةٍ جميعهم.[٤]
ملامح شخصية عثمان بن مظعون
عُرِف -رضي الله عنه- بصدق إسلامه، وطاعته لأوامر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، وبأدائه لعبادات الليل والنهار، فكان من العبّاد المجتهدين، كما عُرِف بشدّة حيائه، وكان قد حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية، ويقول: "لا أشرب شرابًا يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدنى مني ويحملني على أن أنكح كريمتي"، وعندما حرمت الخمر قيل له: يا عثمان، قد حُرّمت الخمر، فقال: "تبًّا لها قد كان بصري فيها ثاقب".[٤]
وفاة عثمان بن مظعون
توفي -رضي الله عنه- في شعبان من السنة الثالثة للهجرة، وجاء في الحديث: (أنَّ أُمَّ العَلَاءِ - امْرَأَةً مِن نِسَائِهِمْ - قدْ بَايَعَتِ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أَخْبَرَتْهُ أنَّ عُثْمَانَ بنَ مَظْعُونٍ طَارَ له سَهْمُهُ في السُّكْنَى، حِينَ أَقْرَعَتِ الأنْصَارُ سُكْنَى المُهَاجِرِينَ، قالَتْ أُمُّ العَلَاءِ: فَسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ، فَاشْتَكَى، فَمَرَّضْنَاهُ حتَّى إذَا تُوُفِّيَ وجَعَلْنَاهُ في ثِيَابِهِ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقُلتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتي عَلَيْكَ لقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقالَ لي النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟، فَقُلتُ: لا أَدْرِي بأَبِي أَنْتَ وأُمِّي يا رَسولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَمَّا عُثْمَانُ فقَدْ جَاءَهُ واللَّهِ اليَقِينُ، وإنِّي لَأَرْجُو له الخَيْرَ، واللَّهِ ما أَدْرِي وأَنَا رَسولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ به، قالَتْ: فَوَاللَّهِ لا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وأَحْزَنَنِي ذلكَ، قالَتْ: فَنِمْتُ، فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: ذَاكِ عَمَلُهُ)،[٥] فكان أوّل من دفن ببقيع الغرقد، يقول عبيد الله بن أبي رافع: "أول من دفن ببقيع الغرقد عثمان بن مظعون، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رأسه حجرًا، وقال: هذا قبر فرطنا"،[٤] وقال الحافظ ابن حجر: "توفي بعد شهوده بدراً في السنة الثانية من الهجرة، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين، وأول من دُفِن بالبقيع منهم"، وقد قبّله رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وهو ميت، ودموعه -عليه الصلاة والسّلام- تسيل على خديه.[٦]
أول صحابي دفن بالبقيع حسب قول الأنصار
أسعد بن زرارة
هو أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار،[٣] الأنصاري الخزرجي، من المسلمين الأوائل، أسلم قديماً، وشهد بيعتي العقبة، وقيل هو أوّل من بايع بيعة ليلة العقبة، وكان أصغر النقباء سِنّاً من القبائل، فكان -رضي الله عنه- قد خرج مع ذكوان بن عبد قيس إلى مكة، قاصدين عتبة بن ربيعة، فلمّا سمعا بالنّبي -صلى الله عليه وسلم- ذهبا إليه فعرض الإسلام عليهما، وأسمعهما القرآن، فأسلما ورجعا إلى المدينة دون أن يقربا عتبة بن ربيعة، فكانا أول من رجع إلى المدينة بالإسلام.[٧]
ملامح شخصية أسعد بن زرارة
عُرِف -رضي الله عنه- بسرعة استجابته للحق، وكان ذلك واضحاً في قصة إسلامه، كما كان عميق الفهم والتقدير مع صغر سِنّه، وقد ظهر ذلك في بيعة العقبة الثانية حيث يروي جابر بن عبد الله، يقول: (فقُمْنا نُبايِعُه، فأخَذَ بِيَدِه أسْعَدُ بنُ زُرارةَ، وهو أصغَرُ السَّبْعين، فقال: رُوَيدًا يا أهلَ يَثرِبَ، إنَّا لم نَضرِبْ إليه أكْبادَ المَطيِّ إلَّا ونحن نَعلَمُ أنَّه رسولُ اللهِ، إنَّ إخْراجَه اليومَ مُفارَقةُ العَرَبِ كافَّةً، وقَتْلُ خيارِكُم، وأنْ تَعَضَّكُم السُّيوفُ، فإمَّا أنتم قَومٌ تَصْبِرون على السُّيوفِ إذا مَسَّتْكُم، وعلى قَتْلِ خيارِكُم، وعلى مُفارَقةِ العَرَبِ كافَّةً، فخُذوه وأجْرُكُم على اللهِ، وإمَّا أنتُم قَومٌ تَخافون مِن أنفُسِكُم خيفةً فذَروه، فهو أعْذَرُ عِندَ اللهِ، قالوا: يا أسْعَدُ بنَ زُرارةَ أمِطْ عنَّا يَدَكَ، فواللهِ لا نَذَرُ هذه البَيعةَ، ولا نَستَقيلُها، فقُمْنا إليه رَجُلًا رَجُلًا يَأخُذُ علينا بشُرْطةِ العبَّاسِ، ويُعْطينا على ذلك الجَنَّةَ)،[٨] وكان إيجابياً في الدّعوة، فقد كان يدعو للإسلام في المدينة ساعياً مع مصعب ابن عمير، ويظهر ذلك في قصة إسلام سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير -رضي الله عنهم- جميعا.[٧]
وفاة أسعد بن زرارة
توفي -رضي الله عنه- بعد الهجرة، فعن محمد بن إسحاق قال: "وتوفي في تلك الأشهر -أي بعد الهجرة مباشرة- أبو أمامة أسعد بن زرارة والمسجد يبنى -أي مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، أخذته الزبحة أو الشهقة، رحمه الله ورضي عنه"، وأيضاً ذكَر البغوي: "أنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة وأنه أول ميت صلّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم"، وروى الواقدي قائلاً: "أول من دفن بالبقيع أسعد بن زرارة، وهذا قول الأنصار".[٧]
المراجع
- ↑ سورة لقمان، آية:34
- ↑ فريق موقع الاسلام سؤال وجواب (26/6/2015)، "هل يوجد فضل خاص لمن يدفن في البقيع (مقبرة المدينة) ؟ "، الاسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 4/5/2021. بتصرّف.
- ^ أ ب فريق موقع صحابة رسول الله ، "أول من دفن بالبقيع"، صحابة رسول الله ، اطّلع عليه بتاريخ 4/5/2021. بتصرّف.
- ^ أ ب ت د. راغب السرجاني (1/5/2006)، "عثمان بن مظعون"، قصة الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 4/5/2021. بتصرّف.
- ↑ رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أم العلاء عمة حزام بن حكيم، الصفحة أو الرقم:2687، حديث صحيح.
- ↑ فريق موقع إسلام ويب (22/7/2002)، "أول من دفن بالبقيع من المهاجرين"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 4/5/2021. بتصرّف.
- ^ أ ب ت د. راغب السرجاني (1/5/2006)، "أسعد بن زرارة"، قصة الاسلام، اطّلع عليه بتاريخ 4/5/2021. بتصرّف.
- ↑ رواه شعيب الأرنؤوط، في تخريج المسند، عن جابر بن عبد الله، الصفحة أو الرقم:14653، حديث صحيح.