لماذا عزل عمر أبا هريرة؟

كان أبو هريرة -رضي الله عنه- والي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على البحرين، فقدم أبو هريرة ذات يومٍ إلى عمر ومعه من المال عشرة آلاف درهم، فغضب عمر من ذلك وقال لأبي هريرة: "استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه"، فقال له أبو هريرة: "لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما"، فقال له عمر: "فمن أين هي لك؟"، فقال أبو هريرة: "خيلٌ لي تناتجت، وغلةٌ رقيقٍ لي، وأُعطيةٌ تتابعت عليّ"، فقام عمر بعزله لهذا السبب.[١]


عودة عمر لتولية أبي هريرة

بعدما تبينت لعمر -رضي الله عنه- حقيقة الأموال التي جمعها أبو هريرة -رضي الله عنه- ورأى صدقه وأمانته، طلب منه أن يتولى ولاية البحرين مرةً أخرى، لكن أبا هريرة رفض طلب عمر هذه المرة، فتعجب عمر من رفضه وسأله عن السبب وقال له مُشجعاً ومُرغباً: "قد طلبَ العملَ مَن هو خيرٌ منكَ، يوسفُ عليه الصلاة والسلام"،[٢] فأجابه أبو هريرة بقوله: "إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا ابن أُميمة، وأخشى ثلاثاً واثنتين"، فقال عمر: "فهلّا قُلتَ خَمساً؟"، فقال أبو هريرة مُبيناً لعمر ما يخشى منه: "أخشى أن أقول بغير علم، وأحكم بغير حلم، وأخشى أن يُضرب ظهري، ويُشتم عِرضي، ويُنتزع مالي".[٣]


سياسة عمر في مراقبة العمال والولاة

إن ما فعله عمر مع أبي هريرة -رضي الله عنهما- ليس من باب التخوين أو الاتهام، فعمر يعرف حق المعرفة فضل أبي هريرة ومكانته العظيمة في الإسلام، وإنما هي سياسة عمر وطريقته في الحكم، فقد كان صارماً في أمور المال، شديد الحرص على مراقبة عماله وولاته، ودقيق المحاسبة لهم إذا لاحظ عليهم تغيراً في الوضع المادي، فقد كان يخشى عليهم من فتنة المال التي تؤدي إلى ضياع الحقوق وأكل أموال المسلمين بالباطل، وكان يرى أن للمسلمين حقاً في الهدايا التي تأتي إلى الولاة والحكام، ولذلك فقد كان يُقاسم ولاته أموالهم ويأخذ منهم نصفها، ليعطيها للمسلمين،[٤] وقد عُرف عمر بعدله وحرصه وورعه الشديد، وهو الذي قال: "لو ماتت سَخلةٌ بالعراق ضياعاً لخشِيتُ أن يسألنيَ الله عز وجل عنها".[٥]


فضل أبي هريرة ومكانته في الإسلام

أجمع المسلمون على فضل أبي هريرة -رضي الله عنه- ومكانته العظيمة في رواية حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو أكثر من حفظ وروى عنه -صلى الله عليه وسلم-، حتى لُقب براوية الإسلام وسيد الحُفّاظ، وقد اجتمعت عدة أسباب جعلته يصل لهذه المرتبة، منها دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- له بالبركة في الحفظ والعلم، ومُلازمته للنبي -صلى الله عليه وسلم- وتفرغه للاستماع والتعلم منه، وحرصه وجرأته على السؤال وطلب العلم، وحبه للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنه عاش حياةً طويلة استطاع أن يروي فيها أكبر قدرٍ من محفوظاته، وغير ذلك، وقد كان معروفاً بزهده وورعه وكثرة عبادته،[٦] وقد استغل بعض الطاعنين في الإسلام قصة عزله في عهد عمر، ليتهموه بالخيانة والسرقة كذباً وافتراءً، وكلامهم هذا باطل مردود ليس عليه أي دليل من التاريخ، بل هو مجرد أوهام وأحقاد مدعومة بروايات موضوعة لا أصل لها.[٧]


المراجع

  1. عبد السلام بن محسن آل عيسى، دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية رضي الله عنه، صفحة 639. بتصرّف.
  2. ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، صفحة 76. بتصرّف.
  3. أبو عبيد القاسم بن سلام، كتاب الأموال، صفحة 343. بتصرّف.
  4. أكرم العمري، عصر الخلافة الراشدة محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق منهج المحدثين، صفحة 125. بتصرّف.
  5. ابن كثير، البداية والنهاية، صفحة 60. بتصرّف.
  6. علي عبد الباسط مزيد، منهاج المحدثين في القرن الأول الهجري وحتى عصرنا الحاضر، صفحة 93-95. بتصرّف.
  7. علي عبد الباسط مزيد، منهاج المحدثين في القرن الأول الهجري وحتى عصرنا الحاضر، صفحة 107. بتصرّف.